الدرس السادس
دور قريش في اجتماع السقيفة
بالرغم ممّا حصل في غدير خم والذي جاء تتويجاً لمحاولات حثيثة من لدن النبيّ’ في تمهيد الأوضاع لخلافة وصيّه، الا إنّ حادثة السقيفة وما أفرزته من نتائج قد فرضت نفسها على الواقع، وكان في طليعة ما أسفرت عنه السقيفة هو إقصاء الإمام عليّ× عن موقعه القيادي، وهنا يتوجب التذكير بدور قريش فيما حصل، ذلك أنّ قريشاً تمكنت من خلال ثقلها القبلي أن تحقق ما طمحت إليه في الاستيلاء على المركز السياسي هذا المركز الخطير الذي كان حقّاً طبيعياً وقانونياً لأهل البيت^. ومن هنا نجد الإمام عليّ× يُذكّر بالتاريخ الأسود لتجاوزات قريش على أهل البيت^ وسعيها المسعور للاستيلاء على الخلافة( ) .
كما ورد في رسالة الإمام الحسن × إلى معاوية تذكير لهذا الدور القريشي في اجتماع السقيفة( ):>فلمّا توفي’ تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأُسرته وأولياؤه ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّد في الناس وحقّه، فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش، وأنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمّد’ فأنعمت لهم العرب وسلّمت ذلك، ثمّ حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب فلم تصنفنا قريش إنصاف العرب لها<.
وفي حديث للإمام الباقر× مع أحد أصحابه جاء فيه( ):
>يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لَقيَ شيعتنا ومحبّونا من الناس أنّ رسول الله’ قُبض وقد أخبر الناس إنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقّنا وحجّتها ثمّ تداولتها قريش واحداً بعد واحد حتّى رجعت إلينا فنكثت ونصبت الحرب لنا...<.
أجل لقد كانت هناك مجموعة مؤشرات حول نشاط قريش تركت انطباعاً لدى الكثير من المراقبين أنّها تسعى للاستيلاء على الخلافة، ومن هنا نجد الأنصار يقدمون على محاولة استباق حصول ذلك، فقرّروا الاجتماع في السقيفة واتخاذ الإجراءات التي تحول دون ذلك، لقد كان للأنصار هواجسهم وقلقهم الذي دفعهم إلى هذه الخطوة.
أسباب العداء القرشي لأهل البيت^
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تعادي قريش أُسرة النبيّ’؟ أليست قريش مَدِينَةٌ في دينها ودنياها لأهل البيت؟ ألم تكن على شفا جرف فانقذها ببركة هذه الأُسرة؟ جواباً على هذه التساؤلات نشير إلى مايلي:
1 ـ حبّ الزعامة
كان لقريش موقعها الفريد بين القبائل العربية في شبه الجزيرة، يقول أبو الفرج الإصفهاني في هذا المضمار( ): >العربُ تُقرّ لقريش بالتقدّم في كلّ شيء عليها إلاّ في الشعر...<.
وقد حصلت قريش على هذا الموقع الهام عن طريقين:
أ: الثقل الاقتصادي:
كان لقريش نشاطها الاقتصادي التجاري الواسع الذي بدأته من فترة هاشم، وكانت رحلاتها التجارية الكبرى مع دول الجوار من قبيل: اليمن، الشام، فلسطين، العراق والحبشة، وقد مكّنت هذه الرحلات التجارية أشراف قريش وزعاماتها في الحصول على ثروات أُسطورية( ) .
وقد أشار القرآن الكريم إلى تجارة قريش التي طردت عنهم شبح الفقر والجوع والحرمان ووفّرت لهم أسباب الرخاء والرفاه: {لاِِيلافِ قُرَيْش* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصّيْفِ* فَلْيَعْبُدُواْ رَبّ هَـذَا ا لْبَيْتِ* الّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوع وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف}( ) .
ب: الثقل الروحي:
وفي وجود الكعبة بكل قداستها لدى القبائل العربية في شبه الجزيرة ما وفّر لقريش زعامة روحية واحتراماً بين قبائل العرب قاطبة، ثمّ جاءت واقعة الفيل وفشل الهجوم العسكري الذي شنّه إبرهة على مكَّة من أجل هدم الكعبة جاءت هذه الواقعة لتعزّز من مكانة قريش وزعامتها الروحية خاصّة وأنّ مفاتيح الكعبة وسدانة البيت هي من اختصاص قبيلة قريش، التي حصلت على ألقاب عديدة تنطوي على بعد القداسة من قبيل: >آل الله<، >جيران الله< و >سكّان حرم الله< وهكذا وجدت قريش نفسها في موقع فريد بين القبائل العربية( ) .
وبسبب هذا الموقع الفريد لقريش فقد سعت إلى تعزيز نفوذها وفرض سيطرتها على القبائل الأُخرى.
وقد استغلت قريش وجود الكعبة بشكل واسع، وفرضت قوانينها على الحجّاج العرب القادمين من مختلف أنحاء شبه الجزيرة من قبيل فرض نوع من اللباس للطواف حول الكعبة، ولهذا كان الحجّاج العرب يخلعون ثيابهم واستبدالها بثياب يشترونها من أسواق مكَّة( ) .
ومن هنا فقد تلقّت الزعامات القرشية ظهور النبيّ’ باعتباره تهديداً خطيراً لها، ولهذا اصطفّت لمواجهته وألقت بكل ثقلها في الصراع بهدف القضاء على أفكار الإسلام وتعاليمه، ولكنّ مشيئة الله سبحانه قضت بانتصار النبيّ’ على أعدائه وانتصار رسالته.
وفي السنة الثامنة من الهجرة المباركة ذهب عدد من أشراف قريش إلى المدينة ولكنّهم لم ينفكّوا يظهرون عداءهم للإسلام فعلى سبيل المثال كان الحكم بن أبي العاص يسخر من النبيّ’ فتمّ إبعاده إلى الطائف بأمر من رسول الله’( ) .
وعندما وجدت قريش نفسها عاجزة عن مواجهة النبيّ’ قررت التآمر من جديد لتستهدف هذه المرّة وصيّه وخليفته وكان عمر لا ينفك يردّد على ابن عبّاس في حواراته المتكرّرة معه قوله( ): >كرهت العرب أن تجتمع فيكم يا بني هاشم النبوّة والخلافة<.
وقالوا أيضاً: >إنّ وَلِيَ الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش<( ) .
وكان بعض الصحابة يدركون ما تفكر به قريش وما يدور في مجالسها الخاصّة كما هو الحال في الصحابي الجليل البرّاء بن عازب الذي كانت تنتابه الهواجس من تفكير قريش في إخراج الخلافة من بني هاشم كلّما رأى النبيّ’( ) .
وقد جاء رضا قريش بخلافة أبي بكر وعمر من هذا المنطلق، وقد عاد بعضهم أبابكر قبيل وفاة الأخير فقال لهم( ): >إنني أعلم إنّ كل واحد منكم يطلب الخلافة بعدي ولكنّي وليّت عليكم خيركم<.
يقول ابن أبي الحديد( ): >ما قُتل عمر بن الخطاب حتّى ملّته قريش واستطالت خلافته وقد كان يعلم فتنتهم فحصرهم في المدينة<.
2 ـ المنافسة القبلية والحسد
كانت المنافسة الشديدة بين القبائل أحد أبرز الظواهر في شبه الجزيرة العربية ونجد إشارة إلى ذلك في سورة التكاثر( )، وكذا في سورة سبأ( ) .
ومنذ العصر الجاهلي كلّفت هذه الظاهرة بني هاشم الكثير، فقد اصطفّت كل القبائل لمواجهة بني هاشم ولم تسمح لعبدالمطلب أن ينفرد بحفر بئر زمزم( )والحصول على هذا المجد ومن هنا قال أبوجهل( ) : >... تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا على الرّكبَ وكُنّا كفرسي رهان; قالوا: منّا نبي يأتيه الوحيّ من السماء فمتى نُدرك مثل هذه، والله لا نُؤمن به أبداً ولا نصدّقه...<.
وعلى الرغم من كون أُميَّة بن أبي الصلت وهو من أشراف الطائف وزعمائها من الحنفاء الا إنّه لم يعتنق الإسلام وظلّ ينتظر ظهور النبيّ الموعود بل إنّه كان يتصور أنّ ذلك سيكون من نصيبه، ولهذا رفض الإذعان لنبوّة خاتم الأنبياء محمّد’ وبرّر ذلك بأنّه خجل من نساء ثقيف( ) :
>... وكان يخبر بأنّ نبيّاً يُبعث قد أظلّ زمانه، فلمّا سمع بخروج النبيّ’ كفر حسداً له...<.
وبالرغم من حجم المنافسة والحسد الذي واجهه النبيّ’ الا إنّه انتصر في النهاية وهزم أعداؤه وبعد انتقال معظم الشخصيات من أشراف قريش إلى المدينة المنوّرة بعد السنّة الثامنة الهجرية الا إنّ ذلك لم يمنعهم من مواصلة الأذى ولم يطفئ نار الحسد المشتعلة في نفوسهم إزاء أهل بيت النبيّ’ والكفّ عن التآمر ضدّهم.
يروي ابن سعد( ): >... إنّ رجلاً من المهاجرين لقي العبّاس بن عبدالمطلب فقال: يا أبا الفضل أرأيت عبدالمطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله جميعاً في النار؟... فرفع العبّاس يده فوجأ أنفه فكسره، فانطلق الرجل كما هو إلى النبيّ’، فلمّا رآه قال: ماهذا؟ قال العبّاس، فأرسل إليه فجاءه فقال’ : ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقال:... والله ما ملكت نفسي فقال’ : ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر...؟
وقد عانى الإمام عليّ بسبب موقعه المتميز والفريد من أمواج الحسد يقول الإمام الباقر×( ) : >في قوله: يستغشون ثيابهم أنّ رسول الله’ كان إذا حدّث بشيء من فضائل عليّ× أو تلا عليهم ما أُنزل فيه نفضوا ثيابهم وقاموا...<.
ومن هنا كثيراً ما روي عن النبيّ’ قوله( ): >مَن حسدَ عليّاً فقد حسدني ومن حسدني فقد كفر<.
ولم يمنع وجود النبيّ بعض الحاسدين من اظهار حسدهم في حضرة النبيّ’ وإيذاء الإمام عليّ× فقد روي عن سعد بن أبيوقّاص قوله( ):
>كنت أنا ورجلان في المسجد فَنِلنَا من عليّ، فأقبل النبيّ’ مغضباً فقال: مالكم ولي؟ من آذى عليّاً فقد آذاني...<.
3 ـ العداء الشخصي لعليّ×
ويبقى العداء الشخصي لعليّ× في طليعة الأسباب التي حالت دون بلوغه الموقع القيادي بعد رحيل النبيّ’ .
ذلك أنّ قريش تحمل ما لقيها من أضرار وخسائر النبيّ’ وعليّاً× فلقد كان ذو الفقار السيف الذي حطّم أطماعهم وقضى على امتيازاتهم، وقد قتل أبرز أشرافهم في الصراع المسلّح مع الإسلام على يد عليّ×، ولهذا فقد كان أبناؤهم وإخوانهم ينظرون إلى الإمام نظرة مليئة بالحقد والكراهية والانتقام، يذكر اليعقوبي في تاريخه بعض الحوادث في الأيام الأُولى من خلافة الإمام عليّ×( ) فيقول: >... وبايع الناس إلاّ ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وكان لسان القوم. فقال: يا هذا إنّك قد وترتنا جميعاً، أمّا أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر وكان أبوه من أنور قريش وأمّا مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه...<.
وقد طلب عبيدالله بن عمر من الإمام الحسن أن يجتمع إلى الإمام عليّ وقال للإمام الحسن( ) : >إنّ لي إليك حاجة فالقني فلقيه قال: إنّ أباك قد وتر قريشاً أوّلاً وآخراً وقد شنئوه فهل لك أن تخلعه ونوليك هذا الأمر؟ قال×: كلاّ والله لا يكون ذلك ثمّ...< .
وعندما سئل ابن عبّاس( ) : >لِمَ أبغضت قريش عليّاً؟، قال: لأنّه أورد أوّلهم النار، وقلّد آخرهم العار.
وقد استثمر بعض الساسة هذا الحقد القرشي المسعور ضد الإمام كما هو الحال في قول عمر لسعيد بن العاص( ) : >مالي أراك مُعرضاً كأنّك ترى أنّي قتلت أباك؟ ما أنا قتلته ولكنّ قتله عليّ بن أبي طالب...<.
وللإمام عليّ× شعر بعد تعرّضه لحادثة الاغتيال على يد ابن ملجم يشير فيه إلى عداء قريش له يقول:
تلكم قريش تمناي لتقتلني فلا وربّك ما فازوا وما ظفروا( )
خلاصة الدرس السادس
يتوجّب على الباحث ألاّ يغفل دور قريش في حادثة السقيفة، ذلك أنّ قريشاً هي القبيلة الوحيد التي بإمكانها إقصاء أهل البيت^ عن الخلافة قد أشار الإمام عليّ× وفي مناسبات عديدة إلى ظلم قريش وعدوانها عليه.
وينطلق عداء قريش لأهل بيت النبيّ’ من الاعتبارات التالية:
1 ـ حبّ الزعامة الذي دفع بزعامات قريش إلى رفض دعوة النبيّ’لاعتناق الدين الإسلامي، لأنّ ذلك يهدّد زعامتها .
2 ـ المنافسة والحسد الذي تكنّه القبائل إزاء بني هاشم.
3 ـ العداء الشخصي للإمام عليّ× بسبب ما لحقها من خسائر على يديه.
</b></i>
الدرس السادس
دور قريش في اجتماع السقيفة
بالرغم ممّا حصل في غدير خم والذي جاء تتويجاً لمحاولات حثيثة من لدن النبيّ’ في تمهيد الأوضاع لخلافة وصيّه، الا إنّ حادثة السقيفة وما أفرزته من نتائج قد فرضت نفسها على الواقع، وكان في طليعة ما أسفرت عنه السقيفة هو إقصاء الإمام عليّ× عن موقعه القيادي، وهنا يتوجب التذكير بدور قريش فيما حصل، ذلك أنّ قريشاً تمكنت من خلال ثقلها القبلي أن تحقق ما طمحت إليه في الاستيلاء على المركز السياسي هذا المركز الخطير الذي كان حقّاً طبيعياً وقانونياً لأهل البيت^. ومن هنا نجد الإمام عليّ× يُذكّر بالتاريخ الأسود لتجاوزات قريش على أهل البيت^ وسعيها المسعور للاستيلاء على الخلافة( ) .
كما ورد في رسالة الإمام الحسن × إلى معاوية تذكير لهذا الدور القريشي في اجتماع السقيفة( ):>فلمّا توفي’ تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأُسرته وأولياؤه ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّد في الناس وحقّه، فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش، وأنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمّد’ فأنعمت لهم العرب وسلّمت ذلك، ثمّ حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب فلم تصنفنا قريش إنصاف العرب لها<.
وفي حديث للإمام الباقر× مع أحد أصحابه جاء فيه( ):
>يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لَقيَ شيعتنا ومحبّونا من الناس أنّ رسول الله’ قُبض وقد أخبر الناس إنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقّنا وحجّتها ثمّ تداولتها قريش واحداً بعد واحد حتّى رجعت إلينا فنكثت ونصبت الحرب لنا...<.
أجل لقد كانت هناك مجموعة مؤشرات حول نشاط قريش تركت انطباعاً لدى الكثير من المراقبين أنّها تسعى للاستيلاء على الخلافة، ومن هنا نجد الأنصار يقدمون على محاولة استباق حصول ذلك، فقرّروا الاجتماع في السقيفة واتخاذ الإجراءات التي تحول دون ذلك، لقد كان للأنصار هواجسهم وقلقهم الذي دفعهم إلى هذه الخطوة.
أسباب العداء القرشي لأهل البيت^
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تعادي قريش أُسرة النبيّ’؟ أليست قريش مَدِينَةٌ في دينها ودنياها لأهل البيت؟ ألم تكن على شفا جرف فانقذها ببركة هذه الأُسرة؟ جواباً على هذه التساؤلات نشير إلى مايلي:
1 ـ حبّ الزعامة
كان لقريش موقعها الفريد بين القبائل العربية في شبه الجزيرة، يقول أبو الفرج الإصفهاني في هذا المضمار( ): >العربُ تُقرّ لقريش بالتقدّم في كلّ شيء عليها إلاّ في الشعر...<.
وقد حصلت قريش على هذا الموقع الهام عن طريقين:
أ: الثقل الاقتصادي:
كان لقريش نشاطها الاقتصادي التجاري الواسع الذي بدأته من فترة هاشم، وكانت رحلاتها التجارية الكبرى مع دول الجوار من قبيل: اليمن، الشام، فلسطين، العراق والحبشة، وقد مكّنت هذه الرحلات التجارية أشراف قريش وزعاماتها في الحصول على ثروات أُسطورية( ) .
وقد أشار القرآن الكريم إلى تجارة قريش التي طردت عنهم شبح الفقر والجوع والحرمان ووفّرت لهم أسباب الرخاء والرفاه: {لاِِيلافِ قُرَيْش* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصّيْفِ* فَلْيَعْبُدُواْ رَبّ هَـذَا ا لْبَيْتِ* الّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوع وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف}( ) .
ب: الثقل الروحي:
وفي وجود الكعبة بكل قداستها لدى القبائل العربية في شبه الجزيرة ما وفّر لقريش زعامة روحية واحتراماً بين قبائل العرب قاطبة، ثمّ جاءت واقعة الفيل وفشل الهجوم العسكري الذي شنّه إبرهة على مكَّة من أجل هدم الكعبة جاءت هذه الواقعة لتعزّز من مكانة قريش وزعامتها الروحية خاصّة وأنّ مفاتيح الكعبة وسدانة البيت هي من اختصاص قبيلة قريش، التي حصلت على ألقاب عديدة تنطوي على بعد القداسة من قبيل: >آل الله<، >جيران الله< و >سكّان حرم الله< وهكذا وجدت قريش نفسها في موقع فريد بين القبائل العربية( ) .
وبسبب هذا الموقع الفريد لقريش فقد سعت إلى تعزيز نفوذها وفرض سيطرتها على القبائل الأُخرى.
وقد استغلت قريش وجود الكعبة بشكل واسع، وفرضت قوانينها على الحجّاج العرب القادمين من مختلف أنحاء شبه الجزيرة من قبيل فرض نوع من اللباس للطواف حول الكعبة، ولهذا كان الحجّاج العرب يخلعون ثيابهم واستبدالها بثياب يشترونها من أسواق مكَّة( ) .
ومن هنا فقد تلقّت الزعامات القرشية ظهور النبيّ’ باعتباره تهديداً خطيراً لها، ولهذا اصطفّت لمواجهته وألقت بكل ثقلها في الصراع بهدف القضاء على أفكار الإسلام وتعاليمه، ولكنّ مشيئة الله سبحانه قضت بانتصار النبيّ’ على أعدائه وانتصار رسالته.
وفي السنة الثامنة من الهجرة المباركة ذهب عدد من أشراف قريش إلى المدينة ولكنّهم لم ينفكّوا يظهرون عداءهم للإسلام فعلى سبيل المثال كان الحكم بن أبي العاص يسخر من النبيّ’ فتمّ إبعاده إلى الطائف بأمر من رسول الله’( ) .
وعندما وجدت قريش نفسها عاجزة عن مواجهة النبيّ’ قررت التآمر من جديد لتستهدف هذه المرّة وصيّه وخليفته وكان عمر لا ينفك يردّد على ابن عبّاس في حواراته المتكرّرة معه قوله( ): >كرهت العرب أن تجتمع فيكم يا بني هاشم النبوّة والخلافة<.
وقالوا أيضاً: >إنّ وَلِيَ الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش<( ) .
وكان بعض الصحابة يدركون ما تفكر به قريش وما يدور في مجالسها الخاصّة كما هو الحال في الصحابي الجليل البرّاء بن عازب الذي كانت تنتابه الهواجس من تفكير قريش في إخراج الخلافة من بني هاشم كلّما رأى النبيّ’( ) .
وقد جاء رضا قريش بخلافة أبي بكر وعمر من هذا المنطلق، وقد عاد بعضهم أبابكر قبيل وفاة الأخير فقال لهم( ): >إنني أعلم إنّ كل واحد منكم يطلب الخلافة بعدي ولكنّي وليّت عليكم خيركم<.
يقول ابن أبي الحديد( ): >ما قُتل عمر بن الخطاب حتّى ملّته قريش واستطالت خلافته وقد كان يعلم فتنتهم فحصرهم في المدينة<.
2 ـ المنافسة القبلية والحسد
كانت المنافسة الشديدة بين القبائل أحد أبرز الظواهر في شبه الجزيرة العربية ونجد إشارة إلى ذلك في سورة التكاثر( )، وكذا في سورة سبأ( ) .
ومنذ العصر الجاهلي كلّفت هذه الظاهرة بني هاشم الكثير، فقد اصطفّت كل القبائل لمواجهة بني هاشم ولم تسمح لعبدالمطلب أن ينفرد بحفر بئر زمزم( )والحصول على هذا المجد ومن هنا قال أبوجهل( ) : >... تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا على الرّكبَ وكُنّا كفرسي رهان; قالوا: منّا نبي يأتيه الوحيّ من السماء فمتى نُدرك مثل هذه، والله لا نُؤمن به أبداً ولا نصدّقه...<.
وعلى الرغم من كون أُميَّة بن أبي الصلت وهو من أشراف الطائف وزعمائها من الحنفاء الا إنّه لم يعتنق الإسلام وظلّ ينتظر ظهور النبيّ الموعود بل إنّه كان يتصور أنّ ذلك سيكون من نصيبه، ولهذا رفض الإذعان لنبوّة خاتم الأنبياء محمّد’ وبرّر ذلك بأنّه خجل من نساء ثقيف( ) :
>... وكان يخبر بأنّ نبيّاً يُبعث قد أظلّ زمانه، فلمّا سمع بخروج النبيّ’ كفر حسداً له...<.
وبالرغم من حجم المنافسة والحسد الذي واجهه النبيّ’ الا إنّه انتصر في النهاية وهزم أعداؤه وبعد انتقال معظم الشخصيات من أشراف قريش إلى المدينة المنوّرة بعد السنّة الثامنة الهجرية الا إنّ ذلك لم يمنعهم من مواصلة الأذى ولم يطفئ نار الحسد المشتعلة في نفوسهم إزاء أهل بيت النبيّ’ والكفّ عن التآمر ضدّهم.
يروي ابن سعد( ): >... إنّ رجلاً من المهاجرين لقي العبّاس بن عبدالمطلب فقال: يا أبا الفضل أرأيت عبدالمطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله جميعاً في النار؟... فرفع العبّاس يده فوجأ أنفه فكسره، فانطلق الرجل كما هو إلى النبيّ’، فلمّا رآه قال: ماهذا؟ قال العبّاس، فأرسل إليه فجاءه فقال’ : ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقال:... والله ما ملكت نفسي فقال’ : ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر...؟
وقد عانى الإمام عليّ بسبب موقعه المتميز والفريد من أمواج الحسد يقول الإمام الباقر×( ) : >في قوله: يستغشون ثيابهم أنّ رسول الله’ كان إذا حدّث بشيء من فضائل عليّ× أو تلا عليهم ما أُنزل فيه نفضوا ثيابهم وقاموا...<.
ومن هنا كثيراً ما روي عن النبيّ’ قوله( ): >مَن حسدَ عليّاً فقد حسدني ومن حسدني فقد كفر<.
ولم يمنع وجود النبيّ بعض الحاسدين من اظهار حسدهم في حضرة النبيّ’ وإيذاء الإمام عليّ× فقد روي عن سعد بن أبيوقّاص قوله( ):
>كنت أنا ورجلان في المسجد فَنِلنَا من عليّ، فأقبل النبيّ’ مغضباً فقال: مالكم ولي؟ من آذى عليّاً فقد آذاني...<.
3 ـ العداء الشخصي لعليّ×
ويبقى العداء الشخصي لعليّ× في طليعة الأسباب التي حالت دون بلوغه الموقع القيادي بعد رحيل النبيّ’ .
ذلك أنّ قريش تحمل ما لقيها من أضرار وخسائر النبيّ’ وعليّاً× فلقد كان ذو الفقار السيف الذي حطّم أطماعهم وقضى على امتيازاتهم، وقد قتل أبرز أشرافهم في الصراع المسلّح مع الإسلام على يد عليّ×، ولهذا فقد كان أبناؤهم وإخوانهم ينظرون إلى الإمام نظرة مليئة بالحقد والكراهية والانتقام، يذكر اليعقوبي في تاريخه بعض الحوادث في الأيام الأُولى من خلافة الإمام عليّ×( ) فيقول: >... وبايع الناس إلاّ ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وكان لسان القوم. فقال: يا هذا إنّك قد وترتنا جميعاً، أمّا أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر وكان أبوه من أنور قريش وأمّا مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه...<.
وقد طلب عبيدالله بن عمر من الإمام الحسن أن يجتمع إلى الإمام عليّ وقال للإمام الحسن( ) : >إنّ لي إليك حاجة فالقني فلقيه قال: إنّ أباك قد وتر قريشاً أوّلاً وآخراً وقد شنئوه فهل لك أن تخلعه ونوليك هذا الأمر؟ قال×: كلاّ والله لا يكون ذلك ثمّ...< .
وعندما سئل ابن عبّاس( ) : >لِمَ أبغضت قريش عليّاً؟، قال: لأنّه أورد أوّلهم النار، وقلّد آخرهم العار.
وقد استثمر بعض الساسة هذا الحقد القرشي المسعور ضد الإمام كما هو الحال في قول عمر لسعيد بن العاص( ) : >مالي أراك مُعرضاً كأنّك ترى أنّي قتلت أباك؟ ما أنا قتلته ولكنّ قتله عليّ بن أبي طالب...<.
وللإمام عليّ× شعر بعد تعرّضه لحادثة الاغتيال على يد ابن ملجم يشير فيه إلى عداء قريش له يقول:
تلكم قريش تمناي لتقتلني فلا وربّك ما فازوا وما ظفروا( )
خلاصة الدرس السادس
يتوجّب على الباحث ألاّ يغفل دور قريش في حادثة السقيفة، ذلك أنّ قريشاً هي القبيلة الوحيد التي بإمكانها إقصاء أهل البيت^ عن الخلافة قد أشار الإمام عليّ× وفي مناسبات عديدة إلى ظلم قريش وعدوانها عليه.
وينطلق عداء قريش لأهل بيت النبيّ’ من الاعتبارات التالية:
1 ـ حبّ الزعامة الذي دفع بزعامات قريش إلى رفض دعوة النبيّ’لاعتناق الدين الإسلامي، لأنّ ذلك يهدّد زعامتها .
2 ـ المنافسة والحسد الذي تكنّه القبائل إزاء بني هاشم.
3 ـ العداء الشخصي للإمام عليّ× بسبب ما لحقها من خسائر على يديه.
</b></i>