العودة   ملتقى السنة > اقسام العلوم الشرعية > الفقه والأحكام
 
   

إضافة رد
اضف هذة المادة الى وافر !
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-07-2012, 12:33 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الإدارة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية بنت الحسين

البيانات
التسجيل: Oct 2010
العضوية: 460
المشاركات: 2,537 [+]
بمعدل : 1.81 يوميا
اخر زياره : [+]
الاقامه : المملكة العربية السعودية
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
بنت الحسين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : الفقه والأحكام
افتراضي ذم الدنيا...


من كتاب مختصر القاصدين...
ـ باب في ذم الدنيا

الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب الأمثال لها كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب* قل أؤنبئكم بخير من ذلكم‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏14-15‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 185‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء‏}‏ الآية ‏[‏يونس‏:‏24‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏20‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏35‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا* ذلك مبلغهم من العلم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 29-30‏]‏‏.‏وأما الأحاديث، ففى ‏"‏الصحيحين‏"‏ من رواية المستور بن شداد، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع‏؟‏‏"‏وفى حديث آخر‏:‏ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر‏"‏ رواه مسلم‏.‏وفى حديث آخر‏:‏ ‏"‏لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء‏"‏‏.‏ رواه الترمذى وصححه‏.‏وفى حديث آخر‏:‏ ‏"‏الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها‏"‏‏
وروى أبو موسى، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏من أحب دنياه، أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما بقى على ما يفنى‏"‏‏(‏‏(‏رجاله ثقات لكنه منقطع أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم‏.‏‏)‏‏)‏وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتاباً طويلاً فيه‏:‏ أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، كالسم يأكله من لا يعرفها وهو حتفه، فاحذر هذه الدار الغرورة الخيالة الخادعة، وكن آثر ما تكون فيها، أحذر ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن، وصفوها مشوب بالكدر، فلو كان الخالق لم يخبر عنه خبراً، ولم يضرب له مثلاً لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله عز وجل وعنه زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند الله سبحانه قدر ولا وزن، وما نظر إليها منذ خلقها‏.‏
ولقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مفاتيحها وخزائنها، لا ينقصها عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها الله عن الصالحين اختياراً، وبسطها لإعدائه اغتراراً، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها‏؟‏ ونسى ما صنع الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، وعجز رأيه وما امسك عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه‏.‏
وقال مالك بن دينار‏:‏ اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء، يعنى الدنيا‏.‏ومن أمثلة الدنيا‏:‏ قال يونس بن عبيد‏:‏ شبهت الدنيا كرجل نائم، فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه‏.‏
ومثل هذا قولهم‏:‏ الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا‏.‏والمعنى انهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شئ مما ركنوا إليه وفرحوا به‏.‏قيل‏:‏ إن عيسى عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء‏(‏(8)‏عليها من كل زينة‏.‏ فقال لها‏:‏ كم تزوجت‏؟‏ قالت‏:‏ لا أحصيهم‏.‏ قال‏:‏ فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك‏؟‏ قالت‏:‏ بل كلهم قتلت، فقال عيسى عليه السلام‏:‏ بؤساً لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحداً بعد واحد، ولا يكونون منك على حذر‏.‏وروى ابن عباس رضى الله عنه قال‏:‏ يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء‏(9)‏زرقاء أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلق، فيقال‏:‏ هل تعرفون هذه‏؟‏ فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه ‏.‏ فيقال ‏:‏ هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم، فتنادى‏:‏ يا رب أين أتباعي وأشياعي‏؟‏ فيقول‏:‏ ألحقوا بها أتباعها وأشياعها‏.‏وعن أبى العلاء، قال ‏:‏ رأيت في النوم عجوزاً كبيرة عليها من كل زينة، والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت‏:‏ أعوذ بالله من شرك‏.‏ قالت‏:‏ إن أحببت أن تعاذ من شرى فأبغض الدرهم‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ رأيت الدنيا في النوم عجوزاً مشوهة الخلقة حدباء‏.‏
مثال آخر‏:‏ واعلم أن أحوالك ثلاث‏:‏
حال لم تكن فيها شيئاً، وهى قبل أن توجد‏.‏
وحال أخرى، وهى من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي، فإن لنفسك وجوداً بعد خروجها من بدنك، إما في الجنة أو النار، وهو الخلود الدائم‏.‏
وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة، وهى أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى مقدار ذلك، وأنسبه إلى الحالتين، تعلم أنه أقل من طرفه عين في مقدار عمر الدنيا‏.‏ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن لها، ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضرر وضيق، أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة وقال‏:‏ ‏"‏مالي وللدنيا‏؟‏ إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال (10)‏(‏‏(‏من القيلولة، وهى النوم في الظهيرة‏.‏‏)‏‏) "‏تحت الشجرة، ثم راح وتركها‏"‏‏.‏
وقال عيس عليه السلام الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها‏.‏ هذا مثل واضح، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، والحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة‏.‏ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومن الناس من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور، فمن وقف يبنى على القنطرة ويزينها وهو يستحث للعبور عليها، فهو في غاية الجهل والحمق‏.‏
وقيل‏:‏ مثال طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شراباً ازداد عطشاً حتى يقتله‏.‏
وكان بعض السلف يقول لأصحابه‏:‏ انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول‏:‏ انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم‏.‏

مثال آخر‏:‏ روى عن الحسن قال‏:‏ بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إنما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء، حتى إذ لم يدوروا ما سلكوا منها اكثر ما بقى، أنفذوا الزاد واخسروا الظهر، وابقوا بين ظاهراني المفازة، لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا‏:‏ إن هذا قريب عهد بريف، وما جاء هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال‏:‏ يا هؤلاء، علام أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ على ما ترى‏.‏ قال‏:‏ عهودكم ومواثيقكم بالله‏.‏ قال‏:‏ فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله، ثم قال‏:‏ يا هؤلاء، الرحيل‏.‏ قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض ليست كرياضكم، فقال أكثر القوم‏:‏ والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا‏؟‏ وقالت طائفة قليلة‏:‏ ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه‏؟‏ وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره‏.‏ قال‏:‏ فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم فنزل عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل(11)‏وفى ‏"‏الصحيحين‏"‏ من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏إنما مثلى ومثل ما بعثتي الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال‏:‏ يا قوم، إني رأيت الجيش بعينى، وأنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم‏.‏ فصبحهم الجيش في مكانهم، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من حق‏"‏‏.‏
8ـ فصل في بيان حقيقة الدنيا والمذموم منها والمحمود


قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقاً، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب‏.‏وقد وضع الله في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ظناً منهم أن هذا هو الزهد المراد، وجهلا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقلة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة فنقول‏:‏اعلم‏:‏ أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وهى الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الأدنى، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى الله عز وجل، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنف الشره وقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته‏.‏

ولا وجه أيضاً للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهى أن يؤخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهىً، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها‏.‏وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج‏.‏وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، فيقول‏:‏ إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال‏.‏ولينظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا تفريط في حقوق النفس‏.‏وينبغى أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون‏.‏
9ـ باب في ذم البخل والحرص والطمع

وذم المال ومدحه ومدح القناعة والسخاء، ونحو ذلك اعلم‏:‏ أن المال لا يذم لذاته بل يقع الذم لمعنى من الآدمي، وذلك المعنى إما شدة حرصه أو تناوله من غير حلة، أو حبسه عن حقه، أو إخراجه في غير وجهه، أو المفاخرة به، ولهذا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما أموالكم وأولادكم فتنة‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 28‏]‏‏.‏وفى ‏"‏سنن الترمذى‏"‏ عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه‏"‏‏.‏وقد كان السلف يخافون من فتنة المال‏.‏ وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى الفتوح يبكى ويقول‏:‏ ما حبس الله هذا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبى بكر لشر أراده الله بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له‏.‏وقال يحيى بن معاذ‏:‏ الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه‏.‏ قيل‏:‏ ما رقيته‏؟‏ قال‏:‏ أخذه من حله ووضعه في حقه‏.‏ وقال‏:‏ مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما، قيل‏:‏ ما هما‏؟‏ قال‏:‏ يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله‏.‏

</B></I>

ضع تعليق باستخدام حساب الفيس بوك












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

(سنحمل روحنا في كل وقت ***لرفع الحق خفاقا مبين
فإن عشنا فقد عشنا لحق ***ندك به عرش المجرمين
وإن متنا ففي جنات عدن*** لنلقي إخوة في السابقين)


من مواضيع

عرض البوم صور بنت الحسين   رد مع اقتباس
قديم 01-07-2012, 12:33 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الإدارة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية بنت الحسين

البيانات
التسجيل: Oct 2010
العضوية: 460
المشاركات: 2,537 [+]
بمعدل : 1.81 يوميا
اخر زياره : [+]
الاقامه : المملكة العربية السعودية
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
بنت الحسين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : بنت الحسين المنتدى : الفقه والأحكام
افتراضي

بيان في مدح المال

قد بينا أن المال لا يذم لذاته بل ينبغي أن يمدح، لأنه سبب للتوصل إلى مصالح الدين والدنيا، وقد سماه الله تعالى خيراً، وهو قوام الآدمي‏.‏ قال الله تعالى في أول سورة النساء‏:‏ ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء ‏(12)(‏‏(‏ السفه‏:‏ ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة، والسفيه‏:‏ الجاهل، والمراد هنا‏:‏ الجهالة بموضع النفقة من الرجال‏)‏‏)‏‏) "‏ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏5‏]‏‏.‏وقال سعيد بن المسيب رحمه الله‏:‏ لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطى منه حقه‏.‏وقال أبو إسحاق السبيعى‏:‏ كانوا يرون السعة عوناً على الدين‏.‏وقال سفيان‏:‏ المال في زماننا هذا سلاح المؤمنين‏.‏وحاصل الأمر؛ أن المال مثل حية فيها سم وترياق، فترياقه فوائده، وغوائله سمه، فمن عرف فوائده وغوائله، أمكنه أن يحترز من شره، ويستدر من خيره‏.‏
أما فوائده، فتنقسم إلى دنيوية ودينية‏:‏
أما الدنيوية، فالخلق يعرفونها، ولذلك تهالكوا في طلبها‏.‏
وأما الدينية، فتنحصر في ثلاثة أنواع‏:‏
أحدها‏:‏ أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة، كالحج والجهاد، وإما في الاستعانة على العبادة، كالمطعم والملبس والمسكن وغيرها من ضرورات المعيشة، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر، لم يتفرغ القلب للدين والعبادة، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به، فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية، ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة على الحاجة، فإن ذلك من حظوظ الدنيا‏.‏
النوع الثاني‏:‏ ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام
أحدها‏:‏ الصدقة، وفضائلها كثيرة ومشهورة‏.‏
القسم الثاني‏:‏ المروءة، ونعنى بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة ونحو ذلك، وهذا من الفوائد الدينية، إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء‏.‏
القسم الثالث‏:‏ وقاية العرض نحو بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب (13)‏السفهاء، وقطع ألسنتهم، وكف شرهم، فهو من الفوائد الدينية، فان النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏"‏وما وقى الرجل به عرضه فهو صدقة ‏وهذا لأنه يمنع المغتاب من معصية الغيبة، ويحرز مما يثير كلامه من العداوة التي تحمل في الانتقام على مجاوزة حدود الشريعة‏.‏
لقسم الرابع‏:‏ ما يعطيه أجراً على الاستخدام، فإن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لمهنة أسبابها كثيرة، ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته، وتعذر عليه سلوك الآخرة بالفكر والذكر اللذين هما أعلى مقامات السالك، ومن لا مال له يفتقر إلى أن يتولى خدمة نفسه بنفسه، فكل ما يتصور أن يقوم به غيرك، ويحصل بذلك غرضك، فإن تشاغلك به غبن، لأن احتياجك إلى التشاغل بما لا يقوم به غيرك من العلم والعمل والذكر والفكر أشد‏.‏
النوع الثالث‏:‏ ما لا يصرفه الإنسان إلى معين، لكن يحصل عليه به خيراً عاماً، كبناء المساجد، والقناطر، والوقوف المؤبدة، فهذه جملة فوائد المال في الدين، سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة، من الإخلاص من ذل السؤال، وحقارة الفقر، والعز بين الخلق، والكرامة في القلوب، والوقار
وأما غوائل المال وآفاته، فتنقسم أيضاً إلى دينية ودنيوية‏:‏
أما الدينية فثلاث فئات
الأولى‏:‏ أنه يجر إلى المعاصي غالباً، لأنه من استشعر القدرة على المعصية، انبعثت داعيته إليها‏.‏
والمال نوع من القدرة يحرك داعيته إلى المعاصي، ومتى يئس الإنسان من المعصية، لم تتحرك داعيته إليها‏.‏
ومن العصمة أن لا تجد، فصاحب القدرة إن اقتحم ما يشتهى هلك، وإن صبر لقي شدة في معاناة الصبر مع القدرة، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء‏.‏
الثانية‏:‏ أنه يحرك إلى التنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفاً، فلا يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، فيقتحم الشبهات، ويترقى إلى آفات من المداهنة والنفاق، لأن من كثر ماله خالط الناس، وإذا خالطهم لم يسلم من نفاق وعداوة وحسد وغيبة، وكل ذلك من الحاجة إلى إصلاح المال‏.‏



الثالثة‏:‏ وهى التي لا ينفك عنها أحد، وهو أن يلهيه ماله عن ذكر الله تعالى، وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادات ذكر الله تعالى، والتفكير في جلاله وعظمته، وذلك يستدعى قلباً فارغاً‏.‏وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكراً في خصومة الفلاحين ومحاسبتهم وخيانتهم، ويتفكر في منازعة شركائه في الحدود والماء، وأعوان السلطان في الخراج والأجراء على التقصير في العمارة ونحو ذلك‏.‏وصاحب التجارة يمسي ويصبح متفكراً في خيانة شريكه، وتقصيره في العمل، وتضيعه المال‏.‏وكذا سائر أصناف المال، حتى صاحب المال المجموع المكنوز يفكر في كيفية حفظه، وفى الخوف عليه‏.‏ومن له قوت يوم بيوم فهو في سلامة من جميع ذلك، وهذا سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا، من الخوف والحزن والهم والغم والتعب‏.‏فإذا ترياق المال أخذ القوت منه، وصرف الباقي إلى الخيرات، وما عدا ذلك سموم وآفات‏.‏
11ـ بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس







واعلم‏:‏ أن الفقر محمود، ولكن ينبغي للفقير أن يكون قانعاً، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، ولا حريص على اكتساب المال كيف كان، ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس‏.‏وقد روى في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ عن عمرو بن العاص رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏"‏قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه‏"‏‏.‏وقال سليمان بن داود عليهما السلام‏:‏ قد جربنا العيش كله، لينه من شديده، فوجدناه يكفى منه أدناه‏.‏وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ “القناعة مال لا ينفذ‏"‏‏.‏‏وقال أبو حازم‏:‏ ثلاث من كن فيه كمل عقله‏:‏ من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع بما رزقه الله عز وجل‏.‏وقرأ بعض الحكماء‏:‏ أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة‏.‏أما الحرص، فقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال‏:‏ ‏"‏أيها الناس، أجملوا في الطلب، فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له‏"‏ونهى عن الطمع فقال‏:‏ ‏"‏اجمع اليأس مما في أيدي الناس‏(‏‏وقال بعضهم‏:‏ لو قيل للطمع‏:‏ من أبوك ‏؟‏ قال‏:‏ الشك في المقدور، ولو قيل له‏:‏ ما حرفتك‏؟‏ قال‏:‏ اكتساب الذل، ولو قيل له‏:‏ ما غايتك‏؟‏ قال‏:‏ الحرمان‏.‏وقيل‏:‏ الطمع يذل الأمير، واليأس يعز الفقير‏.‏
12ـ بيان علاج الحرص والطمعوالدواء الذي تكتسب به صفة القناعة





اعلم‏:‏ أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان‏:‏
الصبر، والعلم، والعمل، ومجموع ذلك خمسة أمور‏:‏
الأول‏:‏ الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد اقناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه، ويرد نفسه إلى ما لابد منه، فيقنع بأي طعام كان، وقليل من الإدام، وثوب واحد، ويوطن نفسه على ذلك، وإن كان له عيال، فيرد كل واحد إلى هذا القدر‏.‏قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ “ما عال من اقتصد(14)‏وفى حدث آخر‏:‏ ‏"‏التدبير نصف العيش ‏وفى حديث آخر ‏"‏ثلاث منجيات‏:‏ خشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقير، والعدل في الرضى والغضب‏"‏‏.‏
الثاني‏:‏ إذا تيسر له في الحال ما يكفيه، فلا يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل، واليقين بأن رزقه لا بد أن يأتيه، وليعلم أن الشيطان يعده الفقر‏.‏وعن ابن مسعود رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن روح القدس نفث في روعى، أنه ليس من نفس تموت حتى تستكمل رزقها واجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل، فإنه لا يدرك عند الله إلا بطاعته‏"‏‏.‏
وإذا انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فإن في الحديث‏:‏ ‏"‏أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب‏(‏‏(‏أخرجه الديلمى من حديث أبى هريرة من رواية عمر بن راشد، وهو ضعيف جداً، وقال البيهقى‏:‏ ضعيف بالمرة، وأورده ابن لجوزي في ‏"‏الموضوعات‏"‏ز ورواه ابن حبان في ‏"‏الضعفاء‏"‏ من حديث على بإسناد واه‏.‏‏)‏‏)‏ا
الثالث‏:‏ أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من الذل ‏.‏وليس في القناعة إلا الصبر عن المشتبهات والفضول، مع ما يحصل له من ثواب الآخرة، ومن لم يؤثر عزَّ نفسه عن شهوته، فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان‏.‏
الرابع‏:‏ أن يكثر تفكره في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى منهم، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين، ويسمع أحاديثهم، ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين مشابهة أراذل العالمين، أو صفوة الخلق عند الله تعالى، حتى يهون عليه الصبر على القليل والقناعة باليسير، وأنه إن تنعم بالأكل فالبهيمة أكثر أكلاً منه، وإن تنعم بالوطء فالعصفور أكثر سفاداً ‏(15)‏ منه‏.‏



الخامس‏:‏ أن يفهم ما في جمع المال من الخطر، كما ذكرنا في آفات المال، وينظر إلى ثواب الفقر، ويتم ذلك بأن ينظر أبداً من دونه في الدنيا، وإلى من فوقه في الدين، كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏"‏انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم‏"‏‏.‏‏عماد الأمر‏:‏ الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل لتمتع دائم، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لما يرجو من الشفاء‏.‏ </B></I>












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

(سنحمل روحنا في كل وقت ***لرفع الحق خفاقا مبين
فإن عشنا فقد عشنا لحق ***ندك به عرش المجرمين
وإن متنا ففي جنات عدن*** لنلقي إخوة في السابقين)


من مواضيع

عرض البوم صور بنت الحسين   رد مع اقتباس
قديم 01-07-2012, 12:34 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الإدارة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية بنت الحسين

البيانات
التسجيل: Oct 2010
العضوية: 460
المشاركات: 2,537 [+]
بمعدل : 1.81 يوميا
اخر زياره : [+]
الاقامه : المملكة العربية السعودية
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
بنت الحسين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : بنت الحسين المنتدى : الفقه والأحكام
افتراضي

3ـ فصل ‏[‏في لزوم القناعة لمن فقد المال‏]‏

ينبغي لمن فقد المال أن يستعمل القناعة كما ذكرنا، ولمن وجده أن يستعمل السخاء والإيثار واصطناع المعروف، فإن السخاء أخلاق الأنبياء، وهو أصل من أصول النجاة‏.‏وعن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏
‏"‏قال جبريل عليه السلام‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ الإسلام دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه ‏‏وفى حديث آخر‏:‏ عن ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏"‏تجافوا عن ذنوب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر ‏‏وفى حديث آخر‏:‏ ‏"‏الجنة دار الأسخياء، وما جبل ولى الله إلا على السخاء ‏‏وعن أنس رضى الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بعبادة ولا بصيام، ولكن دخلوها بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للمسلمين ‏وفى حديث آخر‏:‏ ‏"‏عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء‏"‏‏.‏وقال ابن السماك‏:‏ عجبت ممن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار بمعروفه‏؟‏‏!‏

ومن حكايات الأسخياء


قد صح عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وأنه ما سئل شيئاً قط فقال‏:‏ لا وأن رجلاً سأله، فأعطاه غنماً بين جبلين، فأتى الرجل قومه، فقال‏:‏ يا قوم‏:‏ أسلموا، فإن محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر‏.‏وقيل‏:‏ كان لعثمان على طلحة رضى الله عنهما خمسون ألف درهم، فخرج إلى المسجد، فقال له طلحة‏:‏ قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال‏:‏ هو لك يا أبا محمد معونة على مروءتك‏.‏وجاء أعرابي إلى طلحة، فسأله، وتعرف إليه برحم، فقال‏:‏ إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك، فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم‏.‏وقال عروة‏:‏ رأيت عائشة رضى الله عنها تقسم سبعين ألفا، وهى ترقع درعها‏.‏وروى أنها قسمت في يوم ثمانين ألف بين الناس، فلما أمست قالت‏:‏ يا جارية علىَّ فطوري، فجاءتها بخبز وزيت‏:‏ فقالت لها أم درة‏:‏ أما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحماً نفطر عليه‏!‏‏؟‏ فقالت‏:‏ لو ذكرتني لفعلت‏.‏واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة داره التي في السوق بتسعين ألف درهم، فلما كان الليل، سمع بكاء أهل خالد‏.‏ فقال لأهله‏:‏ ما لهؤلاء‏؟‏ قالوا‏:‏ يبكون على دراهم، قال ‏:‏ يا غلام‏:‏ ائتهم، فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً‏.‏
وبعث رجل إلى عبد الله أنه قد وصف لى لبن البقر، فابعث لى بقرة أشرب من لبنها‏.‏ فبعث إليه بسبعمائة بقرة ورعاتها، وقال‏:‏ القرية التي كانت ترعى فيها لك‏.‏
ودخل على بن الحسن على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكى‏:‏ فقال‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ على دين، قال‏:‏ كم هو‏؟‏ قال‏:‏ خمسة عشر ألف دينار، أو بضعة عشر ألف دينار‏.‏ قال‏:‏ فهي على‏.‏وجاء رجل إلى معن، فسأله، فقال‏:‏ يا غلام‏:‏ ناقتي الفلانية وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه‏.‏وبلغنا عن معن أن شاعر أقام ببابه مدة فلم يتهيأ له لقاؤه، فقال لبعض خدمه‏:‏ إذا دخل الأمير البستان فعرفني، قال‏:‏ فلما دخل عرفه، فكتب الشاعر بيتاً على خشبة، وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، فلما بصر معن بالخشية، أخذها، فإذا فيها مكتوب‏:‏
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي فما لى إلى معن سواك شفيع
فقال من صاحب هذه‏؟‏ فدعا الرجل، فقال له‏:‏ كيف قلت‏؟‏ فقاله، فأمر له بعشر بدر‏(16)‏ ، فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطة فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط، وقرأ ما فيها ودعا الرجل، فدفع إليه مائة ألف درهم أخرى، فلما أخذها الرجل، خاف أن يعود فيستعيدها منه، فخرج، فما كان اليوم الثالث، قرأ ما فيها، فدعا الرجل فطلب فلم يوجد‏.‏ فقال معن‏:‏ حق على أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار‏.‏
ومرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له، إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين‏.‏ فقال‏:‏ أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً، ينادى‏:‏ من كان عليه لقيس حق، فهو منه في حل، قال‏:‏ فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده‏.‏

وقام رجل إلى سعيد بن العاص يسأله، فأمر له بمائة ألف درهم، فبكى، فقال‏:‏ سعيد‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ أبكى على الأرض أن تأكل مثلك، فأمر له بمائة ألف أخرى‏.‏
14ـ فصل في البخل وذمه


عن أبى سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ خصلتان لا تجتمعان في مؤمن‏:‏ البخل وسوء الخلق‏"‏‏.‏‏
وقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً‏"‏
وفى أفراد مسلم، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل‏"‏‏.‏وروى جابر رضى الله عنه، قال‏:‏ قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم لبنى سلمة‏:‏ ‏"‏ من سيدكم‏؟‏ قالوا‏:‏ جد بن قيس على أننا نبخله، قال‏:‏ وأي داء أدوأ من البخل‏؟‏ بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور‏"‏وهي أصح ما من ذكر عمرو بن الجموح ، وغلط بعض الرواة ، فقال ‏:‏ البراء بن معرور، البراء مات قبل الهجرة‏.‏وعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ثلاث مهلكات‏:‏ شح مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه‏"‏‏.‏
قال الخطابي‏:‏ الشح في المنع أبلغ من البخل‏.‏

وقال سلمان‏:‏ إذا مات السخي، قالت الأرض والحفظة‏:‏ رب تجاوز عن عبدك فى الدنيا بسخائه، وإذا مات البخيل قالت‏:‏ اللهم احجب هذا العبد عن الجنة، كما حجب عبادك عما جعلت في يديه من الدنيا‏.‏وقال بعض الحكماء‏:‏ من كان بخيلاً ورث ماله عدوه‏.‏وذم أعرابي قوماً فقال‏:‏ يصومون عن المعروف ويفطرون على الفواحش‏.‏
من حكايات البخلاء‏:‏


روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال‏:‏ كان الحاجب رجلاً من أجل العرب، وكان بخيلاً، وكان لا يوقد ناراً بليل كراهة أن يراها راء فينتفع بضوئها، فإذا احتاج إلى إيقادها فأوقد ثم بصر بمستضيئ بها أطفأها‏.‏وقيل‏:‏ كان مروان بن أبى حفصة من أبخل الناس، فخرج يريد المهدى، فقالت له امرأته‏:‏ مالي عليك إن رجعت بالجائزة‏؟‏قال‏:‏ إن أعطيت مائة ألف درهم، أعطيتك درهماً، فأعطى ستين ألف درهم‏.‏ فأعطاها أربعة دوانق‏.‏وقيل‏:‏ كان بعض البخلاء موسراً كثير الأموال، وكان ينظر في دقائق الأشياء فاشترى شيئاً من الحوائج، ودعا حمالاً وقال‏:‏ بكم تحمل هذه الحوائج‏؟‏ قال‏:‏ بحبة‏:‏ قال‏:‏ أبخس‏.‏ قال ما أقل من حبة‏؟‏ لا أدرى ما أقول‏.‏ قال‏:‏ نشترى بالحبة جزراً، فنجلس جميعاً فنأكله‏.‏
15ـ فصل في فضل الإيثار وبيانه


اعلم أن السخاء والبخل درجات‏:‏
فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه‏.‏وأشد درجات البخل، أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهى الشهوة فيمنعه منها البخل‏.‏فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين ما يؤثر على نفسه مع الحاجة، فالأخلاق عطايا يضعها الله عز وجل حيث يشاء‏.‏وليس بعد الإيثار درجة في السخاء‏.‏ وقد أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإيثار، فقال‏:‏ ‏{‏ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏8‏]‏ وكان سبب نزول هذه الآية قصة أبى طلحة، لما آثر ذلك الرجل المجهود بقوته وقوت صبيانه، وحكايته مشهورة‏.‏
واستشهد باليرموك عكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وجماعة من بنى المغيرة، فأتوا بماءٍ وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذقوه‏.‏أتى عكرمة بالماء فنظر إلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال‏:‏ ابدأ بهذا، ونظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه، فقال‏:‏ ابدأ بهذا، وكل منهم يؤثر الآخر على نفسه بالشربة، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد بن الوليد فقال‏:‏ بنفسي أنتم‏.‏وأهدى إلى الرجل من الصحابة رضى الله عنه رأس شاة، فقال‏:‏ إن أخي أحوج إليه منى، فبعث به إلى الرجل، فبعث به ذلك إلى آخر، حتى تداولته سبع أبيات، فرجع إلى الأول‏.‏خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخل لقوم فيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب، فدنا من الغلام فرمى إليه قرصاُ فأكله، ثم رمى إليه قرصاً آخر فأكله، ثم رمى إليه ثالث فأكله، وعبد الله ينظر فقال‏:‏ يا غلام‏!‏ كم قوتك كل يوم‏؟‏ قال‏:‏ ما رأيت، قال‏:‏ فلم آثرت به هذا الكلب‏؟‏ قال‏:‏ ماهى بأرض كلاب، جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده، قال‏:‏ فما أنت صانع‏؟‏ قال‏:‏ أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر‏:‏ ألام على السخاء وهذا أسخى منى، فاشترى الحائط وما فيه من الآلات،

واشترى الغلام وأعتقه ووهبه له‏.‏واجتمع جماعة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم أرغفة معدودة لا تكفيهم فكسروا الرغفان، وأطفؤوا السراج، وجلسوا للأكل، فلما رفع الطعام، إذا هو بحاله، لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لأصحابه‏.‏
16ـ فصل ‏[‏في حد البخل والسخاء‏]‏


وقد تكلم الناس في حد البخل والسخاء، فذهب قوم إلى أن حد البخل منع الواجب، وأن من أدى ما يجب عليه، فليس ببخيل، وهذا غير كاف، فإن من لم يسلم إلى عياله إلا القدر الذي يفرضه الحاكم، ثم يضايقهم في زيادة لقمة أو ثمرة فإنه معدود من البخلاء، فالصحيح أن البراءة من البخل تحصل بفعل الواجب في الشرع واللازم بطريق المروءة مع طيب القلب بالبذل‏.‏فأما الواجب بالشرع، فهو الزكاة، ونفقة العيال‏.‏وأما اللازم بطريق المروءة، فهو ترك المضايقة، والاستقصاء عن المحقرات فإن ذلك يستفتح، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يستقبح من الغنى ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل المضايقة لأهله وأقاربه وجيرانه مالا يستقبح من الأجانب، فالبخيل الذي يمنع مالا ينبغي أن يمنع، إما بحكم الشرع أو لازم المروءة‏.‏ ومن قام بواجب الشرع، ولازم المروءة، فقد تبرأ من البخل، لكن لا يتصف بصفة الجود مالم يبذل زيادة على ذلك‏.‏قال بعضهم‏:‏ الجواد‏:‏ هو الذي يعطى بلا من‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذي يفرح بالإعطاء‏.‏فأما علاج البخل، فاعلم أن سبب البخل حب المال‏.‏
ولحب المال سببان‏:‏
أحدهما‏:‏ حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان قصير الأمل وله ولد، فإنه يقوم مقام طول الأمل‏.‏

الثاني‏:‏ أن يحب عين المال، فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره لو اقتصر على ما جرت عادته به، ويفضل معه آلاف، ويكون شيخاً لا ولد له، ثم لا تسمح نفسه بإخراج الواجب عليه، ولا بصدقة تنفعه، ويعلم أنه إذا مات أخذه أعداؤه، أو ضاع إن كان مدفوناً، وهذا مرض لا يرجى علاجه‏.‏
ومثال ذلك رجل أحب شخصاً، فلما جاء رسوله، أحب الرسول ونسى محبوبه واشتغل بالرسول، فإن الدنيا رسول مبلغ إلى الحاجات، فيحب الدنانير لذاتها، وينسى الحاجات، وهذا غاية الضلال‏.‏واعلم‏:‏ أن علاج كل علة بمضادة سببها‏.‏فيعالج حب الشهوات بالقناعة والصبر، وطول الأمل بكثرة ذكر الموت‏.‏ويعالج التفات القلب إلى الولد، بأن من خلقه معه رزقه، وكم ممن لم يرث شيئا أحسن حالاً ممن ورث‏.‏فليحذر أن يترك لولده الخير، ويقدم على الله بشر، فإن ولده إن كان صالحا فالله يتولاه، وإن فاسقاً فلا يترك ما يستعين به على المعاصي، وليردد على سمعه ما ذكرناه في ذم البخل ومدح السخاء‏.‏واعلم‏:‏ أنه إذا كثرت المحبوبات في الدنيا، كثرت المصائب بفقدها، فمن عرف آفة المال لم يأنس به، ومن لم يأخذ منه إلا قدر حاجته، وأمسك ذلك لحاجته فليس ببخيل، والله أعلم‏.‏
</B></I>












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

(سنحمل روحنا في كل وقت ***لرفع الحق خفاقا مبين
فإن عشنا فقد عشنا لحق ***ندك به عرش المجرمين
وإن متنا ففي جنات عدن*** لنلقي إخوة في السابقين)


من مواضيع

عرض البوم صور بنت الحسين   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اهم امراه في الدنيا ابن المغرب البار الاسرة المسلمة 2 12-16-2011 05:14 PM
أفضل أيام الدنيا عمر شكري مواسم الخيرات 1 10-18-2011 08:26 PM
الدنيا ظل زائل السيف الذهبي الحوار الاسلامى العام 0 02-05-2011 03:47 PM
لمن ضاقت عليه الدنيا زمن الهوان منوعات مختلفة 9 11-25-2010 06:58 PM
هل نقول مصر ام الدنيا؟ حفيدة الفاروق الفقه والأحكام 0 05-21-2010 11:02 PM

مجموعات Google
اشتراك في منتدى ملتقى السنة
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, by Sherif kenzo
Developed By Marco Mamdouh
جميع الحقوق محفوظة لملتقى السنة
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML
sitemap

جميع الحقوق محفوظه لكل مسلم ويشرفنا ذكر المصدر ..................الموضوعات والمقالات والاراء المنشوره بالموقع او المنتدي تعبر عن راي كاتبها فقط ولا تعبر عن راي الموقع او المنتدي ...............ملتقى السنة موقع اسلامي دعوي لا ينتمي لاي حزب او جماعه ولا ينشر به اي بيانات جهاديه

ملتقى السنة

↑ Grab this Headline Animator